سلمان هادي آل طعمة

168

تراث كربلاء

فهو يقول : وفي كربلاء صورةٌ بديعةٌ للملكيّة الصغيرة ، وما ينتج من تطبيقها من الحسنات والمنافع ؛ فالبساتين المنثورة على ضفّتي نهر الحسينيّة وعلى فروعه تذكّرني بغوطة دمشق وجنّاتها ومياهها ، والداخل إلى تلك الجنائن يشعر بالراحة والانتعاش ، وتحمل إليه الأرواح العذبة التي تهبّ من جنبات الأشجار والنخيل ، ومن أريجها وعبقها أطيب العطور ، وتقع العين على المنظر البهيج والثمر الشهيّ يتدلّى بقدرة القادر فتطيب له النفس . ولقد كنّا صغاراً في أوائل مراحل الصبا نخرج في مواسم الزيارة ونذهب إلى طرف مدينة كربلاء ؛ فنركب الحمير السريعة العدو ونحن فرحون مرحون ، ونتّجه إلى مسجد الحرّ الرياحيّ ومقبرته ، فنقطع الطريق من النخل والشجر والزرع ، والماء تماسك أوّله بآخره ، وهذه الرياض والبساتين لا تمتاز بالجمال فحسب وإنّما تمتاز بالخير الوفير والبركة ، وينتفع مالكوها من ثمراتها أضعاف ما ينتفع به المالكون للمئات من الدونمات المهجورة والتي تستغلّ لزراعة الحبوب ، ولجعلها مراعي للمواشي في أماكن أُخرى . « 1 » ويصف أبو طالب خان رحلته إلى كربلاء ، فيقول : وباليوم الرابع من ذي القعدة سنة 1218 ه‌الموافق اليوم الأول من مارس سنة 1803 م بعد إقامتي ببغداد ثمانية أيّام ، استأنفت سفري لزيارة مشهد كربلاء ومشهد النجف الأشرف . وفي هذه المرّة لم أُعلم الباشا بنيّتي وخطّتي ، فاكتريت خفيةً خيلًا وبغالًا من حوذيّ ، وأتّفقت معه على أن يرافقني في جميع الطريق ، وسافرت بلطفٍ فائقٍ ، ولقيت حفاوةً من كلّ مَنْ لاقاني في أيّ موضعٍ كنت من طريقي ، وابتهجت بلقيا قاضي كربلاء ( ملّا عثمان ) وكان عائداً إلى كربلاء ، وكان رجلًا سنّيّاً ولكنّه كان قد تفقّه وتثقف وتعلّم علماً جليلًا ، وكان بريئاً من أوهام الأحكام التي يحكم بها الطغام قبل الاستعلام ، وظهر لي أنّه سرّ سروراً عظيماً بلقائي ، ورجا منّي أن أكون رفيقه في السفر . وفي الطريق من بغداد إلى النجف ، رأيت بين كلّ ثمانية أميالٍ خاناتٍ مسافرين مبنيّةٌ بالآجر تشبه حصوناً ، ولكنّها يندر أن يقيم فيها المسافرون .

--> ( 1 ) الإقطاع والديوان في العراق ، عبد الرزّاق الظاهر ، ص 61 .